المقبرة
/
“ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا او اخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا اصرا كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به، واعفُ عنا واغفر لنا وارحمنا، انت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين” ثم تنهدت واضافت: “اللهم آمين” ومسحت بكفيها على وجهها مرتين مزيلة آثار دمع انتثر على وجنتيها فزادهما اشراقا..،
تحركت في تثاقل من على سجادة الصلاة تجر وقايتها الطويلة خلفها من طرف وتمسك بالطرف الاخر في يدها وتضمها الى صدرها كأنها مريم العذراء كما صورها النصارى، .. اطالت النظر الى المكان الذي اعتادت النظر اليه كل يوم في نفس الوقت، لترقب مخاض السماء وهي تلد قرصا يتلاعب بألوانها كلما اقترب الى كبدها من جهة الشرق،
فمنذ دقائق كانت تتوشح السواد كأمٍ رؤوم ثم ألقت عبائتها لتكتسي البياض كعروس تُزف الى حلمها، وما اوشكت ان زادت احمرار معطية لملامح الارض وضوحا توسلته منها طوال الليل ، لتخرج الشمس على الملأ كملكة يكسوها الوقار وكلن لها في انتظار..،
تخيلت نفسها في مشهد خُلق لها وحدها .. فأوصت عيناها بالتلذذ قدر المسطاع بالنظر، ثم سحبت زجاج النافذه وتركت وجهها يتلمسه هواء الفجر لتتمكن من استنشاق عبير الصباح بظمأ رئتين شرهتين، ونبهت اذناها على الانصات الى صوت تسبيح العصافير والحشرات والمخلوقات علها تسمع دعاء الجن وانين الشياطين مختلطة مع ابتهالات الأئمة في ابراج المساجد،…” سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم”، … بعد ان انهت تلك العبارة اغمضت عيناها لتفتحهما من جديد… فرأت البشر .،
مجتمعون في وقت لايجتمعون فيه بلا سبب جلل..، عند بوابة ذلك المكان.. ذو السور الابيض.. الممتد بعرض بيتهم الكبير مرتين … مكان لا يعلوه سقف ولا تحده اعمدة ولا تقسمه جدر.. تطل من وسطه شجرة سمر معمره.. امالتها السنين ولم تمت فيستأنس بها اهل ذاك الخلاء..، نظرت مجددا فتذكرت انها جار المقابر…، فلابد ان ميتاً قد قُبضت روحه اليوم من سكان الجوار..، وهاؤم يحفرون له قبرا ليرسلوه الى مثواه الاخير.. وجار لهم جديد.. نطق صمتها:”لا حول و لا قوة إلا بالله ، انتم السابقون ونحن اللاحقون”..
انتظرت قليلا كالعادة علها تتعرف على اهل الميت من نوعية سياراتهم.. وتتمنى في داخلها ان يكون من غير من تعرفه.. دقائق.، يصل الميت محملا في سيارة اسعاف قبيحة الشكل، .. وخلفها حوالي خمسة عشر مركبة في موكب مهيب..، لابد ان الميت كان تقياً ليبعث الله له كل هؤلاء يمشون خلف جنازته..، فليس كل من يدفن هنا يحظى بهذا العدد من المشيعين.. من غير من سبقهم ومن لحقهم … قدّرت عددهم بالثمانين مركبة.،! لم تستغرب شعورها الطبيعي حين رأتهم رغم تشاؤمها من المنظر… فهذا سور الاموات وليس من حقها ان تستنكر وجودهم فيه حين يحين وقت اياً منهم .. هذا السور وتلك الحفرة فيه مردهم فلابد ان يتكرر المشهد..،
تذكرت اول مرة رأت فيها ذلك المنظر بعد انتقلوا الى ذلك الحي في جوار المقبرة منذ سنوات..كان الليل حالكاً لم تكن هناك سوى اضاءات السيارات التي تتحرك ببطئ شديد وحزن لم يستطع اخفائه الرجال ، لم يكن السور يبين في ذاك الظلام .. سوى اضائة في طرفه حيث كانو يقبرون الفتى، كان شابا خلوقا ناجحا رحيما من أطيب اخوته على اهله .. تذكره الموت في ذاك المساء .. فرحل عن اهله وجاورهم… لتسبب لها تلك الذكرى هول المنظر الاخير كما لو انها اول مرة ترا فيها زوار المقابر وهم يتركون احبابهم داخل السور الابيض ويرحلون عنهم الى غير عوده…،
عادت عيناها الى الشمس فرأتها اكثر توهجاً في صباح زار الاموات فيه ضيفاً جديداً..،لعلهم الآن يحاولون التعرف عليه بعد ان رحل الجميع، حدثت الشمس: اتعلمين يا شمس.. سأتعرف عليهم كلهم من خلال نافذتي فحين أُترك داخل ذلك السور وحيدة لن اشعر بالوحشة..، استدلت الستار… ودعت للاموات بالراحة… ونامت.
بنت الشاعر
25-9-2008
إنا لله وإنا إليه راجعون
اتعلمين يا غاليتي أنني احسدها ..ربما يظن البعض سكنها بجوار المقبره شي مخيف ومفزع.. ولكنهم لا يدركون مدى ماله من مغزى عميق يعود لصاحبه بالاجر العظيم .. فكم منا يعيش في غفلة عن حقيقة الموت .. أما هيه فقد تعايشت معها رغم حبها للحياة ..
أبدع قلمك في تصوير ألم وهيبة الموقف ..
ويسعد صباحك
particularly good at. Great news, nonetheless.